اقتصاد المخدرات في المغرب.. إمبراطورية الحشيش التي تهدد أمن شمال إفريقيا والمتوسط
تكشف تقارير دولية متتالية أن المغرب ما يزال يحتل موقعا محوريا في تجارة المخدرات العالمية، خاصة في إنتاج وتصدير الحشيش، ما جعل العديد من المراقبين يتحدثون عن اقتصاد مواز ضخم مرتبط بهذه التجارة غير المشروعة.
في ظل اتهامات متزايدة لنظام المخزن بالفشل في القضاء على هذه الظاهرة التي باتت تهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
وتؤكد تقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن المغرب يعد منذ عقود أحد أكبر منتجي “راتنج القنب الهندي” في العالم، حيث تتركز زراعته أساسا في جبال الريف شمال البلاد، التي تحولت إلى مركز رئيسي لإنتاج الحشيش الموجه أساسا نحو الأسواق الأوروبية.
وتكشف الأرقام الدولية عن حجم هذه الظاهرة؛ فقد قدر تقرير أممي أن المساحات المزروعة بالقنب الهندي في المغرب بلغت في بعض الفترات حوالي 134 ألف هكتار، أي ما يقارب 27 بالمائة من الأراضي الزراعية في المناطق المعنية، وهو رقم ضخم يعكس مدى انتشار هذا النشاط الزراعي غير المشروع.
أما على مستوى الإنتاج، فقد بلغ إنتاج القنب الخام في المغرب نحو 47 ألف طن سنويا، وهو ما يسمح بإنتاج حوالي 3080 طنا من “راتنج الحشيش” القابل للتصدير، حيث يتم توجيه الجزء الأكبر من هذه الكميات نحو الأسواق الأوروبية عبر شبكات تهريب عابرة للحدود.
وتشير تقارير أمنية أوروبية إلى أن المغرب لا يزال يعتبر المصدر الرئيسي للحشيش في السوق الأوروبية، حيث تمر كميات كبيرة منه عبر مسارات تهريب معقدة نحو إسبانيا ودول الاتحاد الأوروبي، قبل أن تنتشر في مختلف القارة.
اقتصاد مواز ضخم قائم على المخدرات
الأخطر في هذه الظاهرة هو حجم الاقتصاد غير المشروع المرتبط بها، فوفق دراسات دولية، فإن زراعة القنب الهندي في المغرب كانت تشارك فيها نحو 96 ألف مزرعة، ويعتمد عليها بشكل مباشر أو غير مباشر حوالي 800 ألف شخص في مناطق الريف، وهو ما يعكس تحول هذه الزراعة إلى اقتصاد مواز واسع النطاق.
كما تشير تقديرات إلى أن الجزء الأكبر من الإنتاج يوجه إلى الخارج، حيث يتم تصدير ما يقارب 80 بالمائة من الحشيش المغربي نحو الأسواق الدولية، خصوصا أوروبا وشمال إفريقيا.
ورغم إعلان السلطات المغربية تقليص المساحات المزروعة خلال السنوات الأخيرة، حيث تراجعت من حوالي 139 ألف هكتار سنة 2003 إلى نحو 28 ألف هكتار في السنوات الأخيرة، إلا أن الإنتاج ظل مستقرا تقريبا بسبب استخدام أصناف هجينة عالية المردودية، وهو ما يدل على تطور أساليب الإنتاج بدل تراجعها.
تقنين القنب.. محاولة لشرعنة قطاع قائم
في عام 2021 أقر المغرب قانونا يسمح بزراعة القنب الهندي لأغراض طبية وصناعية، في خطوة قالت السلطات إنها تهدف إلى إدماج المزارعين في الاقتصاد القانوني وتقليص نشاط السوق السوداء.
غير أن المعطيات الحديثة تظهر أن هذا الهدف لم يتحقق بالكامل، إذ تشير بيانات حديثة إلى أن المساحات المزروعة بشكل قانوني لا تزال محدودة مقارنة بالزراعة غير المشروعة، حيث يوجد حوالي 5800 هكتار فقط في إطار قانوني مقابل أكثر من 27 ألف هكتار من الزراعة غير القانونية.
كما بلغ الإنتاج القانوني حوالي 4200 طن في السنوات الأخيرة، وهو رقم يظل أقل بكثير من حجم الإنتاج المرتبط بالسوق السوداء التي لا تزال تهيمن على القطاع.
تهديد مباشر لأمن المنطقة
لا تقتصر خطورة تجارة المخدرات المرتبطة بالمغرب على بعدها الاقتصادي، بل تمتد إلى تداعيات أمنية خطيرة تمس استقرار المنطقة بأكملها.
فشبكات تهريب الحشيش غالبا ما ترتبط بأنشطة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما في ذلك تهريب الأسلحة وتبييض الأموال والهجرة غير الشرعية، ما يجعلها جزء من منظومة إجرامية واسعة تمتد من شمال إفريقيا إلى أوروبا.
كما يحذر خبراء أمنيون من أن عائدات تجارة المخدرات الضخمة توفر موارد مالية كبيرة للشبكات الإجرامية، الأمر الذي يساهم في تقوية نفوذها داخل دول المنطقة ويزيد من تعقيد جهود مكافحة الجريمة المنظمة.
وتشير تقارير دولية إلى أن الطلب المتزايد في أوروبا على الحشيش هو أحد العوامل التي غذت هذا النشاط لعقود، حيث أصبحت مناطق واسعة من شمال المغرب مرتبطة اقتصادياً بهذه الزراعة، ما يجعل القضاء عليها تحديا سياسيا وأمنيا معقدا.
مخاطر صحية واجتماعية عابرة للحدود
إلى جانب التهديد الأمني، تشكل تجارة المخدرات القادمة من المغرب خطرا صحيا واجتماعيا على المجتمعات في أوروبا وإفريقيا، حيث تسهم في انتشار الإدمان وتغذية شبكات التهريب والجريمة.
كما أن توسع زراعة القنب أدى إلى آثار بيئية خطيرة، من بينها إزالة مساحات من الغابات وتدهور التربة نتيجة الاستغلال المكثف للأراضي الزراعية.
أزمة تتجاوز حدود المغرب
ويرى خبراء أن ظاهرة المخدرات المرتبطة بالمغرب لم تعد قضية داخلية، بل تحولت إلى ملف أمني إقليمي ودولي، نظرا لحجم الإنتاج والانتشار الواسع لشبكات التهريب المرتبطة بها.
وفي ظل استمرار الطلب العالمي على الحشيش، ووجود شبكات تهريب منظمة تمتد عبر المتوسط وإفريقيا، تبقى تجارة المخدرات المرتبطة بالمغرب أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة، ما يفرض تعاونا دوليا أكبر لمواجهتها والحد من تداعياتها الخطيرة على الأمن والاستقرار.

